وهبة الزحيلي

208

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقلعها ، فقال الشافعي وأحمد : لا شيء عليه ، لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ، ففقئوا عينه ، فقد هدرت عينه » و عبارة مسلم : « من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم ، حلّ لهم أن يفقؤوا عينه » . و روى سهل بن سعد رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لمن اطلع في إحدى حجراته ، وكانت في يده مدرى يحك بها رأسه : « لو كنت أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك » . وقال أبو حنيفة ومالك : إن فقأ عينه فعليه الضمان من قصاص أو أرش ( تعويض أو دية ) لعموم قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [ المائدة 5 / 45 ] . ثم إن الاعتداء جناية ، يستوجب الأرش أو القصاص . أما الأحاديث السابقة فهي منسوخة ، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النحل 16 / 126 ] . ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الوعيد لا على وجه الحتم ، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب اللّه تعالى لا يجوز العمل به . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر ، وهو يريد شيئا آخر ؛ كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال : « قم فاقطع لسانه » وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا ، ولم يرد به القطع في الحقيقة . وكذلك هذا يحتمل أن يراد بفقء العين أن يعمل به عملا حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره . 2 - تحريم الدخول إلى بيت الآخرين إذا لم يوجد فيه صاحبه حتى يؤذن له ، وهذا مستفاد من الآية : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها ، التقدير : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ، فإن أذن لكم فأدخلوا ، وإلا فارجعوا ، فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم ، فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا .